ابن عجيبة

381

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : ألم تر أن اللّه يولج ليل القبض في نهار البسط ، ونهار البسط في ليل القبض ، فهما يتعاقبان على العبد تعاقب الليل والنهار ، فإذا تأدب مع كل واحد منهما ؛ زاد بهما معا ، وإلا نقص بهما ، أو بأحدهما . فآداب القبض : الصبر ، والرضا ، والسكون تحت مجارى الأقدار . وآداب البسط : الحمد ، والشكر ، والإمساك عن الفضول في كل شئ . وسخّر شمس العيان وقمر الإيمان ، كلّ يجرى إلى أجل مسمى ؛ فقمر الإيمان يجرى إلى طلوع شمس العرفان ، وشمس العرفان إلى ما لا نهاية له من الأزمان . ذلك بأن اللّه هو الحق ، وما سواه باطل . فإذا جاء الحق ، بطلوع شمس العيان ، زهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا . وإنما أثبته الوهم والجهل . ألم تر أن سفن الأفكار تجرى في بحار التوحيد ، لترى عجائب الأنوار وغرائب الأسرار ، من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ؟ إن في ذلك لآيات لكل صبّار على مجاهدة النفس ، شكور على نعمة الظّفر بحضرة القدّوس . وإذا غشيهم ، في حال استشرافهم على بحر الحقيقة ، موج من أنوار ملكوته ، فكادت تدهشهم ، تضرعوا والتجئوا إلى سفينة الشريعة ، حتى يتمكنوا ، فلما نجاهم إلى بر الشريعة ، فمنهم مقتصد ؛ معتدل بين جذب وسلوك ، بين حقيقة وشريعة ، ومنهم : غالب عليه السكر والجذب ، ومنهم : غالب عليه الصحو والسلوك . وكلهم أولياء اللّه ، ما ينكرهم ويجحدهم إلا كل ختّار جاحد . قال القشيري : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ ؛ إذا تلاطمت عليهم أمواج بحار التقدير ؛ تمنوا أن تلفظهم تلك البحار إلى سواحل السلامة ، فإذا جاء الحقّ بتحقيق مناهم عادوا إلى رأس خطاياهم . فكم قد جهلتم ، ثم عدنا بحلمنا ، * أحبّاءنا : كم تجهلون ونحلم ! ثم ختم بالوعظ والتذكير ، فقال : [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 33 إلى 34 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 33 ) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 ) قلت : ( بأي أرض ) ؛ قال في المصباح : الأفصح : استعمال « أي » في الشرط والاستفهام بلفظ واحد ، للمذكر والمؤنث ، وعليه قوله تعالى : فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ « 1 » ، وقد تطابق في التذكير والتأنيث ، نحو : أي رجل ، وأي وأية امرأة . وفي الشاذ : بأية أرض تموت . ه .

--> ( 1 ) من الآية 81 من سورة غافر .